ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
86
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وعليه ورد قول البحتري « 1 » : اللّه أعطاك المحبّة في الورى * وحباك بالفضل الّذي لا ينكر ولأنت أملأ في العيون لديهم * وأجلّ قدرا في الصّدور وأكبر أي : أنت أملأ في العيون من غيرك . أما القسم الثاني المشتمل على حذف المفردات فإنه يتصرف على أربعة عشر ضربا : الأول : حذف الفاعل ، والاكتفاء في الدلالة عليه بذكر الفعل ، كقول العرب : أرسلت ، وهم يريدون جاء المطر ؛ ولا يذكرون السماء ، ومنه قول حاتم : أماويّ ؛ ما يغني الثّراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر يريد النفس ، ولم يجر لها ذكر وعلى هذا ورد قوله تعالى : كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق والضمير في بلغت للنفس ، ولم يجر لها ذكر . وقد نص عثمان بن جني رحمه اللّه تعالى على عدم الجواز في حذف الفاعل ، وهذه الآية وهذا البيت الشعري وهذه الكلمة الواردة عن العرب على خلاف « 2 » ما ذهب إليه ، إلّا أن حذف الفاعل لا يجوز على الإطلاق ، بل يجوز فيما
--> ( 1 ) البيتان آخر قصيدة له يمدح فيها المتوكل على اللّه ويهنئه بالصوم ، ويذكر خروجه يوم الفطر ، وأولها قوله : أخفي هوى لك في الضّلوع وأظهر * وألام في كمد عليك وأعذر ( 2 ) أخطأ المؤلف رحمه اللّه في فهم كلام أبي الفتح وكلام غيره من نحاة البصريين ، ولم يفرق بين الإضمار والحذف ؛ ونحا منحاه أهل الكوفة الذين جعلوا هذه الأمثلة ونحوها من باب حذف الفاعل ، ولولا أن الكتاب ليس موضعا لهذه المجادلات لأوفيتك هذه المسألة بحثا حتى تعلم علم اليقين أن أبا الفتح عثمان بن جني معترف بأن الضمير في الآية عائد إلى النفس وأنها لم يتقدم لها مرجع وأن الضمير في بيت حاتم راجع إلى النفس أيضا وأنها لم يتقدم ذكرها ، ومثلهما قول اللّه تعالى : حتى توارت بالحجاب فإن فاعل « توارت » يعود إلى الشمس ولم يتقدم لها ذكر ، وغاية ما في الأمر أن مرجع ضمير الغائب قد لا يكون مذكورا في الكلام متقدما ولا متأخرا ولا مدلولا عليه بشيء في الكلام ، وإنما يكون مفهوما من قرائن الحال ، ومن قرائن الحال انحصار للفاعل في شيء معين بسبب فعله ، كالنفس بالنظر لبلوغ التراقي والحشرجة ، وهلم جرا .